محمد متولي الشعراوي

6121

تفسير الشعراوى

فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ( 74 ) [ يونس ] أي : أن الناس جميعهم لو آمنوا لا نقطع الموكب الرسالي ، فموكب إيمان كل البشر لم يستمر ، بل جاءت الغفلة « 1 » ، وطبع اللّه تعالى على قلوب المعتدين . والطبع - كما نعلم - هو الختم . ومعنى ذلك أن القلب المختوم لا يخرج ما بداخله ، ولا يدخل إليه ما هو خارجه ؛ فما دام البعض قد عشق الكفر فقد طبع اللّه سبحانه على هذه القلوب ألّا يدخلها إيمان ، ولا يخرج منها الكفر ، والطبع هنا منسوب لله تعالى . وبعض الذين يتلمّسون ثغرات في منهج اللّه تعالى يقولون : إن سبب كفرهم هو أن اللّه هو الذي طبع على قلوبهم . ونقول : التفتوا إلى أنه سبحانه بيّن أنه قد طبع على قلوب المعتدين ، فالاعتداء قد وقع منهم أولا ، ومعنى الاعتداء أنهم لم ينظروا في آيات اللّه تعالى ، وكفروا بما نزل إليهم من منهج ، فهم أصحاب السبب في الطبع على القلوب بالاعتداء والإعراض . وجاء الطبع لتصميمهم على ما عشقوه وألفوه ، والحق سبحانه وتعالى هو القائل في الحديث القدسي : « أنا أغنى الشركاء عن الشرك » « 2 » . ولله المثل الأعلى ، فأنت تقول لمن يسدر « 3 » في غيّه : ما دمت تعشق ذلك الأمر فاشبع به .

--> ( 1 ) الغفلة : سهو يعترى الإنسان من قلة التحفظ وعدم اليقظة ، قال تعالى : لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا . . ( 22 ) [ ق ] ، أي : غافلا عن إدراك القيامة وغافلا عن أحداث ما بعد الموت . [ القاموس القويم ] ( 2 ) أخرجه مسلم في صحيحه ( 2985 ) وابن ماجة في سننه ( 4202 ) عن أبي هريرة رضى اللّه عنه . ( 3 ) السادر في غيه : الممعن في ضلاله المستمر عليه لا يهتم لشئ ولا يبالي ما صنع . [ اللسان مادة : سدر ] .